تعد زراعة القمح في دولة الإمارات العربية المتحدة ركيزة استراتيجية ضمن منظومة الأمن الغذائي الوطني، حيث انتقلت من حيز المبادرات الفردية إلى مشروعات سيادية كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال توظيف أحدث التقنيات الزراعية المستدامة، وقد نالت هذه الجهود اهتماماً خاصاً ضمن حملة “أجمل شتاء في العالم” في نسختها الخامسة التي رفعت شعار “السياحة الخضراء”، لتسليط الضوء على هذه النماذج الناجحة التي تجمع بين الإنتاج الغذائي والحفاظ على البيئة تحت مظلة استراتيجية السياحة الداخلية التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والرامية إلى بناء منظومة سياحية وتنموية متكاملة ومستدامة.

وتعود جذور هذا الحراك الزراعي إلى عام 2017، حين انطلقت مبادرة “قمح الإمارات” بجهود تطوعية لـ 16 مزارعاً مواطناً، لتتوسع اليوم وتضم أكثر من 200 مزرعة تنتج ما يزيد عن 80 طناً سنوياً، مدعومة بتوزيع الحبوب المجانية وتوفير آلات الحصاد الحديثة لتحفيز المزارعين على المشاركة في تأمين الغذاء الوطني، وفي تطور مفصلي بدأ في مارس 2022، أطلقت إمارة الشارقة مشروع مزرعة مليحة للقمح بمساحة 1400 هكتار، حيث أثمر حصاد المرحلة الأولى في بداية 2023 عن إنتاج صنف يعد من الأجود عالمياً لارتفاع نسبة البروتين فيه وخلوه التام من المواد الكيميائية، كما عززت دائرة الزراعة والثروة الحيوانية هذا التوجه بتوزيع أطنان من بذور “يوكورا روجو” الأصيلة على المواطنين لضمان استمرارية الجودة والنقاء في الإنتاج المحلي.

وقد توج مشروع مليحة بحصوله على “علامة الجاهزية للمستقبل” تقديراً لابتكاراته الاستثنائية، حيث يستهدف إنتاج 15200 طن من القمح العضوي لتغطية احتياجات منافذ البيع بالإمارة بنسبة 100%، كما نجحت المختبرات البحثية للمشروع في تطوير سلالة “الشارقة-1” التي تمثل ثورة في الإنتاجية لقدرتها على تحمل المناخ القاسي وتوفير المياه بنسبة 30% مع احتواءها على نسبة بروتين تصل إلى 19%، وهي الأعلى عالمياً، وبالتزامن مع إطلاق العلامة التجارية “سبع سنابل” وتوسعة المساحات المزروعة إلى 1900 هكتار، حصل المنتج الوطني على خمس شهادات جودة عالمية، من بينها شهادة “الهاسب” وشهادة المنتج العضوي وعدم التعديل الوراثي، ليكون أول منتج يحمل علامة “صنع في الإمارات” بجدارة واستحقاق.

وتعتمد هذه النهضة الزراعية على منظومة ري ذكية ومؤتمتة بالكامل تستند إلى البيانات الفضائية والذكاء الاصطناعي، حيث تضم مزرعة مليحة محطة متطورة لتجميع المياه تضخ 60 ألف متر مكعب يومياً عبر خط ناقل بطول 13 كيلومتراً، وتستخدم هذه التقنيات لمراقبة التربة والطقس بدقة، مما أسهم في خفض استهلاك المياه بنسب تراوحت بين 40% و45%، لتؤكد دولة الإمارات من خلال هذه المشروعات أن الابتكار التقني والإرادة الوطنية هما الضمانة الأكيدة لتحويل الصحراء إلى مزارع منتجة تؤمن غذاء الأجيال وتدعم الاقتصاد الأخضر المستدام.